الأمة المتوارية والدولة العليلة
لم تنقلب الثقافة العراقية "بمعنى التفكير النقدي العضوي" على نفسها كي تدرأ الثقوب السوداء لهذا الهياج وتلك الفوبيا. لم تتخلص النخبة من هذه المشاعر واكراهاتها، برغم نصائح الامام علي وسجل افلاطون في ضرورة خروج النخبة من كهفها، كي تستقيم الأمور لسكان الكهف.
إنتقلت مشاعر الهياج والخوف الى اللغة، فاستوطنت نسيجها، واستباحت مجازاتها وحروفها، والنتيجة اللازمة اجتماعيا على هذا الاجتياح والاستيطان أن لا نظاما سياسيا تراكميا في العراق، ولا نظرية معرفة اجتماعية عراقية، ولا اقتصاد عراقي قريب الصلة من منطق التدبير وحسابات الحاجة والضرورة.
تبدو البلاد، كل مرة، كأنها خارجة من زلزال مدمر ومتجهة الى غيره. وفي الطريق بين الزلزالين تطمئن مشاعر الهياج ودفاعات الخوف السائرين في هذا الدرب، من كثرة التعود وقلة الركون الى السلام والأمن والتخطيط للمستقبل.
وفي المجال السياسي تبرز نتوءات هذا اللاشعور بطريقة ميلودرامية، فلم ينقرض التحكم القبلي في المجال السياسي وزيادة على ذلك فان منطق القبيلة يحكم المدينة والاقليم التي تعبر بمنطقها القبلي الخاص، ودفاعاتها المتطرفة على الضد من منطق السياسة. تطلب هذه القبائل والاقطاعات حدودا ودولا باسم الفيدرالية، تعبيرا عن مشاعر الاهتياج وتلبية لنداء الخوف.
في توصيف آخر لهذه المشاعر المعرقلة والمتطرفة يطرح الباحثون فكرة الخصام بين الأمة والدولة في العراق. فعندما تضيع معالم الأمة وتتوارى الدولة لخدمة السلطة، يمكن لأي قبيلة أن تطرح مشاعر الخوف بدل الثقة والذعر بدل اليقين. وبالحال، تتخلق عوالم افتراضية لدولة وجيش واقتصاد يعتمد فوهات آبار النفط، وكذلك وزارات للخارجية وفرق لكرة القدم وشارع للمكتبات.
أما السؤال عن متى تعترف الدولة بالأمة فيطوعا معا، وحش السلطة، فان الطريق الى ذلك ردم فجوتي الهياج والفوبيا، ليس في الشخصية الفردية عيانا، بل في اللغة اولا، أي في النسيج الصانع للمعنى الممتد تربويا.
القاء القبض على وحشي الهياج والفوبيا قد يعقد صداقة "ربما قدرية" بين الأمة المتوارية والدولة العليلة.

